فخر الدين الرازي

153

تفسير الرازي

ولا كتاب لكان لقائل أن يقول لا يجادل من غير كتاب ، فإن بعض ما يقولون فهو في كتابهم ولأن المجوس والنصارى يقولون بالتثنية والتثليث عن كتابهم ، فقال : * ( ولا كتاب منير ) * فإن ذلك الكتاب مظلم ، ولما لم يحتمل في المرتبة الأولى والثانية التحريف والتبديل لم يقل بغير علم ولا هدى منير أو حق أو غير ذلك . قوله تعالى * ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الاَْمُورِ ) * . قوله تعالى : * ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) * بين أن مجادلتهم مع كونها من غير علم فهي في غاية القبح فإن النبي عليه السلام يدعوهم إلى كلام الله ، وهم يأخذون بكلام آبائهم ، وبين كلام الله تعالى وكلام العلماء بون عظيم فكيف ما بين كلام الله وكلام الجهلاء ثم إن ههنا شيئاً آخر وهو أنهم قالوا : * ( بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا ) * يعني نترك القول النازل من الله ونتبع الفعل ، والقول أدل من الفعل لأن الفعل يحتمل أن يكون جائزاً ، ويحتمل أن يكون حراماً ، وهم تعاطوه ، ويحتمل أن يكون واجباً في اعتقادهم والقول بين الدلالة ، فلو سمعنا قول قائل افعل ورأينا فعله يدل على خلاف قوله ، لكان الواجب الأخذ بالقول ، فكيف والقول من الله والفعل من الجهال ، ثم قال تعالى : * ( أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) * استفهاماً على سبيل التعجب في الإنكار يعني الشيطان يدعوهم إلى العذاب والله يدعو إلى الثواب ، وهم مع هذا يتبعون الشيطان . ثم قال تعالى : * ( ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ، وإلى الله عاقبة الأمور ) * لما بين حال المشرك والمجادل في الله بين حال المسلم المستسلم لأمر الله فقوله : * ( ومن يسلم وجهه إلى الله ) * إشارة إلى الإيمان وقوله : * ( وهو محسن ) * إشارة إلى العمل الصالح فتكون الآية في معنى قوله تعالى : * ( من آمن وعمل صالحاً ) * وقوله : * ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) * أي تمسك بحبل لا انقطاع له وترقى بسببه إلى أعلى المقامات وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال ههنا : * ( ومن يسلم وجهه إلى الله ) * وقال في سورة البقرة : * ( بلى من أسلم وجهه لله ) * فعدى ههنا بإلى وهناك باللام ، قال الزمخشري معنى قوله : * ( أسلم لله ) * أي جعل نفسه لله سالماً أي خالصاً